المامقاني
193
غاية الآمال ( ط . ق )
صاحب النقد هو المشترى بمجرّد كون المتعارف هو جعله ثمنا وان كان مراده ( رحمه الله ) ان ذلك يفيد الظَّنّ بكون المشترى هو صاحبه فلا دليل على اعتبار هذا الظَّنّ بكون المورد من قبيل الموضوعات الصرفة الَّتي لم يثبت اعتبار الظَّنّ فيها ضرورة ان كون زيد بايعا وكون عمرو مشتريا من الموضوعات الصّرفة دون المستنبطة وهو ( قدس سره ) أيضا ممّن ينكر اعتبار الظنّ في الموضوعات الصّرفة قوله ولو لم يلاحظ الا كون أحدهما بدلا عن الأخر من دون نية قيام أحدهما مقام الثمن في العوضية أورد عليه بان في صحّة مثل هذه المعاملة الَّتي هي عبارة عن إنشاء كلّ منهما للتّمليك من دون قصد إلى جعل أحدهما عوضا والأخر معوّضا وصيرورته بيعا اشكالا بل نقول ببطلانه أقول الإشكال في صيرورة هذه المعاملة بيعا لا ( يخلو ) عن وجه ولكن الحكم ببطلانها غير متّجه لصدق التجارة عن تراض وانحصار عقود المعاوضة في الأنواع المعهودة لم يقم عليه حجة وسيأتي لهذا زيادة توضيح قوله ( قدس سره ) ففي كونه بيعا وشراء بالنّسبة إلى كلّ منهما بناء على أن البيع لغة كما عرفت مبادلة مال بمال والاشتراء ترك شيء والأخذ بغيره كما عن بعض أهل اللَّغة فيصدق على صاحب اللحم انه باعه بحنطة وانّه اشترى الحنطة فيحنث لو حلف على عدم بيع اللَّحم وعدم شراء الحنطة أورد عليه بان تعريف البيع بمبادلة مال بمال إشارة إلى الكيفيّة الواقعيّة الخاصّة بأن يكون أحدهما بائعا والأخر مشتريا وليس مسوقا لبيان ان كلّ ما صدق عليه مفهوم المبادلة فهو بيع و ( حينئذ ) فلا يفيد هذا التّعريف كون كلّ منهما بايعا ومشتريا كما هو مقصوده ( قدس سره ) من الاستشهاد به أقول لا يخفى سقوط هذا الإيراد لأن مراده ( قدس سره ) ليس هو إثبات صدق البائع والمشترى على كلّ منهما بهذا التعريف حتّى يقابل بما عرفت من الإيراد بل قد ذكر بما هنا أمرين استفاد منهما جميعا صدق البائع والمشترى على كلّ منهما أحدهما تعريف البيع بما ذكر فإنه يستفاد منه ان كلَّا من المتعاطيين في الفرض المذكور بادل مالا بمال وثانيهما تعريف الاشتراء المحكي عن بعض أهل اللَّغة فإنه يستفاد منه ان كلا من المتعاطيين في الفرض المذكور ترك شيئا وأخذ بغيره فتدبّر والإيراد المذكور مبني على تخيل استفادة صدق البائع والمشتري عليهما من مجرّد تعريف البيع بالمبادلة قوله ( رحمه الله ) نعم لا يترتب عليهما أحكام البائع ولا المشترى لانصرافهما في أدلة تلك الأحكام إلى من اختصّ بصفة البيع أو الشراء فلا يعمّ من كان في معاملة واحدة مصداقا لهما باعتبارين أقول يمكن المناقشة فيه بأنه ان انصرف البائع والمشترى في أدلَّة أحكامهما إلى من ذكره مع كونهما واقعين في كلمات ( الشارع ) التي لا تحمل على المتعارف الا من باب تبعية أهل العرف لمراعاة حالهم فانصراف البيع في كلام من كان من أهل العرف حيث وقع متعلق حلفه بطريق أولى إذ لا يخطر ببالهم غير المتعارف والحلف انّما يتعلق بما هو مقصود الحالف من اللَّفظ لا بغيره فتأمّل وأيضا ليس للبائع معنونا بهذا الوصف العنواني في مقابل المشترى حكم خاص ينفرد به عنه حتّى ينصرف في الدليل إلى غير من كان مصداقا لهما وكذا الحال في المشترى واما قوله ( عليه السلام ) في خيار الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري فالمراد بالمشتري فيه انّما هو أخذ الحيوان فلو قال صاحب الدّراهم بعتك هذه الدّراهم بهذا الحيوان كان له خيار الحيوان قوله ( رحمه الله ) وجوه لا ( يخلو ) ثانيها عن قوة لصدق تعريف البائع لغة وعرفا على الدافع أولا دون الأخر وصدق المشترى على الأخذ أولا دون الأخر فتدبّر ذكر بعض من تأخر ان المناط في التمييز بين البائع والمشترى هو الدّفع والأخذ ( كذلك ) فالدافع أولا هو البائع لصدق الموجب عليه عرفا والأخذ أولا هو المشترى لصدق القابل عليه عرفا لكن هذا إذا كان هناك ترتب في الإعطاء والأخذ وامّا ان تقابضا دفعة فيقع المعاملة دفعة لا بمعنى الدفعة الحقيقية لاستحالتها بل بمعنى الدفعة العرفية و ( حينئذ ) فيكون كل منهما بايعا ومشتريا ويصحّ كونها على هذا الفرض بيعا وشراء بان يلاحظ كلّ منهما بدرهم في نظر كلّ من البائع والمشترى فيقصد البائع إني بعت هذا اللحم الذي يساوي درهما بمقدار من الحنطة يساوي درهما واشتريت ذلك المقدار من الحنطة الذي يساوي درهما باللحم الموصوف ويتضح بتصويره في العقد باللفظ فنقول انه ان فرض جواز استعمال اللَّفظ في أكثر من معنى فقصد البائع بقوله بعت اللَّحم بالحنطة معنى قوله بعته بها واشتريتها به وكذلك المشترى قصد بقوله قبلت أو اشتريت معنى قوله اشتريت اللَّحم بالحنطة وبعتها به أو فرض انه ذكر باللَّفظ قوله بعت اللحم بالحنطة واشتريتها به وقبل المشترى بذلك الوجه ( فحينئذ ) يصير كلّ منهما بايعا ومشتريا صحّ تصوير مثله في التعاطي بأن يلاحظ كلّ من العوضين بالقيمة أولا يلاحظ شيء منهما بها على ما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) من الفرضين اللذين احتمل فيهما وجوها أربعة منهما كون المعاملة بيعا وشراء فكون كلّ منهما بايعا ومشتريا صحيح هذا أولى فيما ذكره في كلّ من التقديرين نظر امّا الأوّل فلأنّه أنكر على ( المصنف ) ( رحمه الله ) في حكمه في أوّل الصّور بكون صاحب الثّمن هو المشترى استنادا إلى أن غاية ما هناك أن يكون الغالب كون صاحب الثّمن مشتريا وان هذه الغلبة لا تفيد سوى الظَّنّ وهو ليس حجّة في الموضوعات وهذا الوجه بعينه وارد على ما اختاره هنا إذ ليس كون الدّافع أولا موجبا والأخذ قابلا الَّا مبنيّا على الغلبة والا فقد يدفع الثمن إلى البائع قبل دفعه المبيع فإذا كان الظَّنّ ليس حجّة في الموضوعات لم يكن فرق بين حصوله من غلبة كون صاحب الثّمن هو المشترى وغيره هو البائع وبين حصوله من غلبة كون الدّافع أولا هو البائع والأخذ هو المشترى والمورد واحد لم يتبدّل فإن كان من الموضوعات الصّرفة فهو ( كذلك ) بالنّسبة إلى الوجهين وان كان من الموضوعات المستنبطة ( فكذلك ) بالنّسبة إليهما فان بنى الأمر في الفرق على أن الغلبة هنا توجب صدق اسم البائع والمشترى هنا عرفا بخلافها هناك منعناه فإنّها ان كانت موجبة له فهي ( كذلك ) في المقامين والا فلا توجبه فيهما وامّا الثاني فلأنه غير معقول لا لعدم جواز استعمال اللَّفظ في أكثر من معنى لان ذلك لا يوجب عدم المعقولية مع أن الكلام انّما هو على فرض جوازه بل لا نحتاج إلى فرضه أيضا لإمكان تصوير ( المطلق ) بذكر البيع والشّراء كليهما في اللَّفظ بل من جهة عدم تعقل كونه بايعا ومشتريا على هذا الفرض ضرورة ان بيع اللحم بالحنطة معناه معاوضة بها فملاحظة ثمن وعوض في مقابل المبيع مقوّم لمعنى البيع لا يتحقّق بدونه أصلا وقطعا